صديق الحسيني القنوجي البخاري
119
فتح البيان في مقاصد القرآن
إِلى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ قال الفراء : في الكلام إضمار ، أي : إنك مبعوث أو مرسل إلى فرعون وقومه ، وكذا قال الزجاج . إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ تعليل لما قبله من المقدر ، أي خارجين عن الحدود في الكفر والعدوان . فَلَمَّا جاءَتْهُمْ آياتُنا التي كانت على يد موسى حال كونها مُبْصِرَةً أي مضيئة واضحة اسم فاعل أطلق على المفعول نحو ماء دافق ، أي مدفوق إشعارا بأنها لفرط إنارتها ووضوحها تبصر نفسها لو كانت مما يبصر . كقوله : وَآتَيْنا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً [ الإسراء : 59 ] وقرىء مبصرة بفتح الميم والصاد ، أي مكانا يكثر فيه التبصر ، كما يقال : « الولد مجبنة ومبخلة » « 1 » ، والأول أولى . ونسب الإبصار إليها مجازا لأن بها يبصر . والمعنى إضاءة معنوية في كلها أو حسية أيضا في بعضها وهو اليد . فما جاءتهم آياتنا قالُوا هذا الذي نشاهده من الخوارق التي أتى بها موسى سِحْرٌ مُبِينٌ واضح ظاهر سحريته . وَجَحَدُوا بِها وَاسْتَيْقَنَتْها أَنْفُسُهُمْ أي قد كذبوا بها ولم يقروا حال كون أنفسهم مستيقنة لها أنها من عند اللّه فالواو للحال ، يقال : جحد حقه وبحقه بمعنى ، والاستيقان أبلغ من الإيقان . ظُلْماً أي للآيات كقوله تعالى : بِما كانُوا بِآياتِنا يَظْلِمُونَ [ الأعراف : 9 ] ، ولقد ظلموا بها أي ظلم حيث حطوها عن رتبتها العالية ، وسموها سحرا . وَعُلُوًّا استكبارا عن الإيمان بها كقوله تعالى : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْها [ الأعراف : 36 ] ؛ وانتصابهما إما على العلة أي الحامل لهم على ذلك الظلم والعلو ، أو على الحالية من فاعل جحدوا ، أي جحدوا بها ظالمين لها مستكبرين عنها ويجوز أن يكونا نعت مصدر محذوف ، أي جحدوا بها جحودا ظلما وعلوا . قال أبو عبيدة : والباء في وَجَحَدُوا بِها . وقال الزجاج : التقدير وجحدوا بها ظلما وعلوا أي وتكبروا عن أن يؤمنوا بما جاء به موسى ، وهم يعلمون أنها من عند اللّه . فَانْظُرْ كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ أي تفكر يا محمد في ذلك فإن فيه معتبرا للمعتبرين ، وقد كان عاقبة أمرهم الإغراق لهم هنا في البحر ، على تلك الصفة الهائلة ، والإحراق ثمة ، وإنما لم يذكر تنبيها على أنه عرضة لكل ناظر مشهور فيما بين كل باد وحاضر . ولما فرغ سبحانه من قصة موسى ، شرع في قصة داود وابنه سليمان ،
--> ( 1 ) هو حديث مرفوع ولفظه : « إنّ الولد مبخلة مجبنة » ، أخرجه ابن ماجة في الأدب باب 3 ، وأحمد في المسند 4 / 172 ، 5 / 211 .